25 May, 2011

أيام تستحق الرصد: في رفقة مَريَم



كان ليلًا أشد سوادًا عليّ من كل ما مضي .. كان وجعًا في الروح و الذاكرة .. و الحلم! .. كان أصدق ما يقال حينها الصمت .. و لا يعني الصمت سوي الصمت! .. لم يكن هناك ما أخفيه خلف السكون .. لو كنت قد أردت التخلص من الحياة حينها حتي أشك أنني كنت سأعرف .. كنت فاقدة لكل شيء .. فقدت كل شيء مني و عني و لي و بي، فقدت حتى الصمت! لم يكن هناك سوى وجع .. وجعٌ بكل ما تعنيه الكلمة .. شكوى و سخط .. كنت لأول مرة أدرك أن كل شيء لي لم يكن لي .. أن كلما اردت شيئًا ذهب .. كلما تعلقت بأحد ذهب .. كلما رافقني أحد بالطريق تركني في مفترق الوجع .. كان بداخلي رفض لكل شيء حتي لذاتي .. و كأنها ردة فعل لرفض كل شيء كان لي لي .. 

الياسمينة .. القط الرمادي كثيف الشعر .. الفيولا .. البيانو .. الكتب .. الأقلام .. الشوكولاته .. الأوراق .. الجدران .. البحر و الشاطيء .. الموسيقى .. صوتي حين أغني .. صمتي حين أصرخ ..أحلامي .. مريم و سورتها .. آل عمران .. جميعهم رفضوا صحبتي .. ففقدت نفسي!

كنت اعرف أنني يمكنني التفاؤل .. أن الاكتئاب ليس عادتي .. أنه و إن كان الوجع قدري لم يكن الوجع يومًا عادتي .. ليست هذه النظرة التي دومًا ما أنظر بها للأشياء في أحيان كتلك .. و لكن .. فقدت كل شيء .. حتى قدرتي علي دفع ذاتي لأن أكون "بخير" .. حتي أن أقول أني "بخير" لغريب لم أجدها!

لم يسعفني "موتسارت" في هذه اللحظات .. لم ينقذني "باخ" كذلك .. و لم تقدر "فيروز" علي شيء حيال ما كنت أمر به .. كان كل شيء محاط بالوجع .. كان سؤال مكتوم أخاف النطق به "ليه كده يا رب؟" .. لكن قناعاتي و إيماني (اللذان لم أستطع الوصول إليهم في هذه اللحظة) كانا يمنعاني من النطق بها .. لأنني أعلم أن لكل شيء سبب .. و أن "ربنا عمره ما عمل حاجه وحشه .. هذا ما كسبت ايدينا .. نحن الظالمون .. الله أعدل من أن يظلمنا .. الله يؤدبنا .. الله يحمينا"

صديقان يسالان .. يعرفان أني أحتاج إليّ قبل أن أحتاج إليهم

و كان النوم .. هو النوم الحل الوحيد في حالة كتلك .. لم يكن هروبًا .. فلم تكن لدي القدرة علي الهروب حتى .. خارت قوى الروح و انطفأت .. و لم تستطع ذاتي طرح سؤال أستطيع أن أبدأ به علي ورقة!

أين انتِ يا مريم الآن؟ .. لم أكن أقصد و تعلمين! كنتِ تربتين علي ظهري لأكون .. و اليوم لا أستطيع أن أربت علي ذاتي .. و تتركيني فلا أكون!

***

كنت أعرف أن هذا اليوم مختلف .. و أنا لم أنم فقد كان فقط تدريبًا علي الصمت .. أن أصمت .. أن أغمض عيني عن الذاكرة و المحفور علي جدار الروح .. ان أريح جسدًا ليس له ذنب .. ذاتي هي التي تذنب دومًا

صوت عصافير الصباح يذكرني بصباحات فيروز التي انقطعت عنها .. رائحة و برودة هذا الصباح .. جسدي الذي طالما اشتكى قلة النوم اليوم ينصت إلي الروح .. صوت من هناك .. حيث لا اعرف .. قال لي، الساعات! .. فيلم الساعات

"اليوم لدي موعد .. لدي شغف .. قليل من الشغف .. بعض الفرصة"
أدرت الفيلم .. 
و عرفت لماذا الساعات .. قد كان لأدرك!

أستمع إلي موسيقي الفيلم بشوق إلي الوصول .. فهناك حدث جلل ينتظرني

"حين لا نصل .. فهناك ذنب بيننا و بين الوصول .. يحتاج لأن نغفر لذاتنا لذّاتنا أولًا"

علي مقربة من المكان .. اوقف الموسيقي .. أحتار، أي الابواب باب الكنيسة؟ اسأل رجلًا يهرول إلي داخل المحطة .."أنهو فيهم باب الكنيسه؟" .. و بعد نظرة لحجابي أفهمها و اتجاهل الرد عليها بأخرى، أهرول إلي الباب ..

"سلوا تُعطوا .. اطلبوا تجدوا .. اقرعوا يُفتح لكم" 
1

ها أنا ذا يا مريم أجد بابك مفتوحًا لا احتاج حتى ان اقرعه
يأخذني المكان .. يأخذني
اتنفس .. اتنفس
كما لم اتنفس من قبل
ما هذا السلام؟
ما هذا النور؟
اليوم؟!
اليوم؟
لم ارتب أن آتي إلي هنا، سالي قالت لي أن آتي
كان مرتبًا ان نخرج سويًا
كان مقدرًا أن آتي إلي هنا
صوت الترانيم يأخذني و انا ما زلت في الساحة الامامية
سلم طويل يأخذني إلي الداخل
روحي ترتفع مع كل درجة
حتي شعرت ان ليس هناك أكثر من ذلك
اليوم؟
هنا؟
هذا السلام؟
هي بداية .. هي بداية


أربعة ابواب .. واحد مفتوح و الباقي مغلق

اتصل بسالي .. "أنا وصلت إنتوا فين؟" .. ترد"الكنيسة المعلقة" .. أسأل قسيسًا كان يتحدث مع طفل و رجل و كهل سويًا .. أسأله في لهفة تلهيني عن التحية أو الابتسام أو المودة .. تنسيني كل شيء .. لا اذكر سوى ارتفاع روحي .. سوى لهفة الوصول
يرد علي مازحًا .. "خدي اتوبيس عشره و بعد كده تنزلي تلاقي سلم تطلعيه تلاقي باب مفتوح ادخلي منه" فلا أفهم، اظن انني أخطأت المكان فأهم بالعودة فيضحك .. حتي أفهم!

أدخل في حالة ترقب .. أقدامي تسير في سلام علي الأرض المباركة .. أمر حتي اكون امام باب الكنيسة .. اجد لوحة لمريم و الاربعين عذراء .. علي مسند قبل الدخول .. تبتسم لي

أدخل فتؤخذ روحي اخذًا .. يا الله
يا الله ما هذا المكان
أظل اردد .. "انهارده؟ .. هنا؟ انهارده؟ داحنا متفقين من زمان .. مكنتش عارفه اننا هنيجي هنا .. و إنهارده؟؟" 
أخطو بهدوء .. و روحي تُغسل
الله يرتب لي حياتي .. الله يبارك لي ايامي .. الله يهديني .. الله يهديني
هذه هي الهداية
الله يرشدني إلي روحي
اسلم علي سالي و جومانا .. كم كنت أشتاق إلي أصدقاء الروح .. اظل اتساءل .. أتعجب من رفعة روحي .. من روحانية المكان .. من وقت الزيارة .. من قدر الله
اوقد شمعة امام مريم

لم اكن ادرك كل كرمك .. تصالحينني و قد عبثت بالعهد الذي بيننا .. تعرفين .. تعلمين .. فتفصحي .. و تصالحينني .. من أين يأتي كل هذا النور؟ من أين؟ يا ام النور

أظل ماخوذة بالمكان .. بالروح

أغني .. أدندن 

يا مريم البكر فوقتي الشمس و القمر
و كل نجم بأفلاك السماء سراب
يا نجمة الصبح شعي في معابدنا
و نوري عقلنا و السمع و البصر
2


نستكشف المكان .. كيف لهذا المكان أن يكون بهذا الجمال .. النور يأتي من كل ثقب .. المكان نور .. معماره الذي يؤكد أنه علي طراز إسلامي .. فلولا الصليب لظننت أنه مسجد!

تتركنا "جومانا" .. فنأخذها للخارج
أصر قبل الخروج أن آخذ شيئًا من هذا المكان .. شيئًا يحمل من أسراره
فنجتمع علي ايقونة لمريم لنا الثلاثة

نودع جومانا
ثم نذهب إلي هناك
شوارع المدينة من الداخل .. "شارع القديس جرجس" .. هذا الشارع الذي رأته سالي قبل ان اصل .. وقفت امامي في مدخله و انا علي الباب .. اقف في ذهول
"شوارع القدس .. بالظبط! .. شوارع القدس!"

كل شيء يأخذني إلي النور

نسير أنا و سالي .. و بيننا حديث
"أنا بحسد الناس اللي عايشه هنا بجد"
"إزاي فيه حد عنده بيت هنا و سايبه كده التراب و الزمن أكلوه؟"
"دايمًا بندور علي السلام النفسي في المكان الغلط"
"اكتشفت إني طول حياتي بعمل حاجات فاكره انها هتريحني .. إكتشفت إني محتاجه أصلح روحي"..
"لازم نيجي هنا تاني"

تهاتفني صديقة تدعوني لحفل .. تدعوني معه .. تعتذر حين تعرف أنه اليوم الأول لي من دونه
فأرد: "إنتي عملتي حاجه انتي مكنتيش عارفه معاناها".. فتظن أني أؤنبها فأعيد: "إنتي عملتي حاجه حلوة انتي مش عارفه معناها .. لما أشوفك هبقي افهمك"

نعود للكنيسة بعد أن تجاوزت الساعة الرابعة .. فلا فرصة لدخول الدير أو المعبد
نشرب سويًا من السبيل في مدخل الكنيسة .. نرتفع سويًا و بيننا حوار
"عارفه الفرق إيه؟"
"إيه"
"إحنا شبه بعض أوي .. بس الفرق المسيح اترفع إمتي .. المسلمين مؤمنين إنه اترفع قبل الصلب لإن اللي اتصلب ده يهوذا .. المسيحيين مؤمنين إنه اترفع بعد الصلب عشان يكفر عن ذنوب البشر و ذنب آدم"

دخلنا فجلسنا .. نستمع أنا و سالي إلي آيات آل عمران بصوت حمزة شكور .. التي أخذتها مني و نحن في طريق العودة

بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ - ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ-إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ - فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ
3

لم اكن ادرك كل كرمك .. تصالحينني و قد عبثت بالعهد الذي بيننا .. تعرفين .. تعلمين .. فتفصحي .. و تصالحينني .. من أين يأتي كل هذا النور؟ من أين؟ يا ام النور

فأجد الإجابة لسؤالي 

قالت هو من عند الله

ألقيت بكل الأفكار التي في بالي .. كل القرارات التي أجلتها .. كل الأشياء التي خفت من مواجهتها

 فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا


1: مكتوب علي باب كنيسة مار جرجس
2: ترنيمة يا مريم
3: سورة آل عمران الآيات من 33 إلي 37

0 comments:

Post a Comment