07 June, 2011

أسباب صغيرة للفرح

All we can do is keep breathing now!*

وجهه كان رفيق هذا الصباح ..

أنا على موعد مع مريم اليوم ..

حين وصلت لم أجد منة ..  أخرج لا أجدها بالخارج، فتخبرني أنها بالداخل ورأتني حين خرجت، تطلب مني أن أشتري لها تذكرة بدلًا من التي فقدتها .. 

حديث طويل علي المحطه .. 

"منهي عنه .. الاكل بالشمال! .. إبقي بدلي بين العصير و الاكل بحيث تاكلي و تشربي باليمين!"

علامة تعجب! .. ثم سؤال لمنه "إنتي محجبه؟" - "لأ" .. فتتركها الفتاه و ترحل! فتهمس لي منه "منهي عنه .. الخناق ف المترو!"

في محاولة فاشلة لإخفاء مقصدنا .. فيشي لساني "لا ده لسه كتير مش كتير قوي بس قبل حلوان متقلقيش" .. فترد "مارجرجس!!" .. 

فتحكي ذكرياتها ايام الثورة .. ننسي الناس من حولنا .. تمامًا! حتي نتخطى محطتنا!

فننزل في الزهراء لنعود لوجهتنا .. 

هناك قبل أن نقف أمام الباب أقولها لها "سلوا تُعطوا .. أطلبوا تجدوا .. اقرعوا يُفتح لكم"

منه تدرس العمارة .. تتذكر عندما سألها دكتور بالكليه عن سبب اختيارها للكليه فردت "عشان أدرس عمارة الكنايس" .. و تتذكر ذلك فقط الان حين تري العمارة الاسلامية و الخط العربي في كل ركن من الكنيسة المعلقة!

نقيد شمعتان للعدرا .. 

كان المكان لايزال يتم تنظيفه و ترتيبه .. فقد جئنا فور فتحه تقريبًا .. 

بالدير .. المقابر .. كنا على مقربة من الموت .. نرى ملامحه بمنتهى الوضوح!

"أنا عرفت أنا ليه المرة اللي فاتت مدخلتش هنا و اتقفل الباب ف وشي بمعني الكلمه و الراجل ع الباب قال الساعه بقت أربعه!"

"مكنتش مستعده .. "

"الله .. حلو أوي اسم لطف الله ده!"

"بيتدفنوا عائلات إزاي يعني؟ .. آآآآه"

"المكان ليه رهبه .. فيه سلام"

"آه و فيه مسيحيين بيسموا محمد علي فكره!"

"بحب الغربان أوي .. بحسهم مظلومين .. رغم انه مش ذنبه انه علم قابيل إزاي يدفن هابيل .. و لا ذنبه انه كان مرسال لطريقة الدفن .. البني آدم هو اللي قتل مش الغراب .. يعني لو فيهم حد يدعو للتشاؤم فهو الانسان مش الغراب .. و حتى من غير ما أدرك كل ده فانا بحب الغربان جدًا"

"تلات ارباعهم مش مصريين يعني شوفي الاسامي دي!"

"تفتكري ده طلب إنه يتدفن كده؟ يواريه التراب بمعنى الكلمه و كفايه صليب من الخوص يعلم قبره؟"

"مبحبش فكرة إني أتدفن ف صندوق .. بحس إني بحبس الميت .. بسجنه"

"مأدركتش ده غير من فترة .. إن مريم بالنسبالي مش مجرد أم المسيح .. مريم بالنسبالي أم تحملت عبء الرسالة من قبل ما يتولد صاحبها .. مريم رمز للأمومه بالنسبالي بجانب إنها رمز للطهر و العفه و الروح"

تجرح قدمي من الاغصان الذابلة المتناثرة بالأرض ..

"بالظبط ده نفس اللي أقصده .. ربنا بيطبطب علينا"

"ممكن نيجي مره تانيه هنا و أجيب معايا خرايط عمارة الكنايس اللي هنا و هنلاقي أكيد أماكن خفيه و حاجات"

"إيه مالك؟"
"أنا شوفت المكان ده قبل كده .. أنا حاسه المكان ده بيتنا"
"مش شبه شوارع القدس زي ما قولتلك؟"
"لا لا .. أنا حاسه المكان ده شوفته ف حلم .. شوفته قبل كده!"

بالمعبد!

"مش عارفه .. مش حاسه المكان! .. مش قادره اتعاطف .. يمكن لما شوفت النجمة علي الباب! .. "
"حاسه ان الحاجات هنا مسروقة .. النقوش .. القناديل .. حاسه المكان ميت مفيهوش حياه"
"ف الكنيسه كنت عاوزه أسيب تبرعات و قولت و احنا راجعين نكون فكينا .. هنا مش قادره فعلًا"
"المكان مش منور .. بيحاول ينور .. النقوش .. المنبر .. حاساها محاولات فاشله إن المكان يبقي مكان روحاني!"

بكنيسة الشهيدة بربارة ..

"فيه فرق! .. فيه فرق! .. المكان هنا فيه حياه! .. فيه روح .. هناك كان المكان ميت .. سامعه صوت العصافير؟"

"المكان حاجه تانيه فعلًا"

ينبهنا العامل ان ننزع احذيتنا قبل الدخول إلي تلك القاعة بالكنيسة .. 

فأهمس و تسمعني منه .. "فاخلع نعليك .. إنك بالوادي المقدس"

منظر الشموع مقادة أمامنا يغريني بإيقاد شمعة لي .. أقيد شمعة و أنظر لها .. و أتساءل "هل تذوب ذنوبنا كما تذوب هذه الشمعة مع النار؟ .. ماذا لو وقفت في انتظار ذوبانها .. هل ستغفر جميع ذنوبي .. أو علي الاقل ما يعادل طول الشمعة!" .. 

نخرج من القاعة و كلي فضول لمعرفة ما بعد الابواب الجانبية بالقاعة .. ما يجعلها مغلقة بالأقفال و يجعل هذا المكان مقدسًا فلا ندخله بالأحذيه!

نخرج من القاعة و أرتدي حذائي فيبتسم لي شخص يخلع حذاؤه للدخول .. فارد الابتسامة

في خروجنا من الكنيسة

"شايفه؟ عصافير حتي جوه الكنيسه .. يا ربي علي السلام!"

"أنا عاوزه بخور من اللي احنا شامينه ف الكنيسه ده!"

نسأل فنجد ضالتنا .. فنشتري للجميع .. و نخصص لنا نوعًا خاصًا من البخور .. تفرح منه بميدالية ستنا العدرا التي أشتريتها لها .. و اشتريت أخرى لصديقة أدخلتني يومًا ما الكنيسة الإنجيلية في يوم كنت في أشد الحاجة للوجود بمكان يروي الروح .. ثم نذهب ..

تأخذنا الطرقات و نتوقف أمام ممر يثير فضولنا للدخول .. فنكتشف أن هناك من يعيش هنا في بيوت قديمة كبيوت القرى القديمة.

نقرر أن نذهب لجامع عمرو بن العاص .. 

في الطريق نقابل محل لكل الاشياء القديمة .. فنجلس لنستكشف كل شيء .. الراديو القديم .. الولاعات القديمه جدًا .. زجاجات الخمر المعدنية الفارغه بشكلها الشهير .. ساعة ببندول و .. فونوغراف .. و كاميرات و مكاحل و أدوات مطبخ .. كل شيء قديم قد تحن إليه .. موجود هناك!

علي الباب تحرقنا الشمس فقد بدأت في البزوغ .. بنتجه إلي حيث يظلل علينا المسجد .. يجذبنا بائع السبح .. و سبحة تلو أخرى ..

نشتري مجموعة غير طبيعية من السبح لنا و لكل مَن رأيناه في سبحه!

يأخذنا الكلام فنجلس في هذا الركن بجانب البوابه .. حالة بوح متواصل .. في أشياء شتى لا أذكرها كلها و لكني أذكر أننا نتشابه كثيرًا .. حتى ذات التفاصيل! .. نستمع إلي "سبحانك اللهم جل علاك" .. 

بداخل المسجد .. يضايقني أن النساء لا يستطيعون رؤية ساحة المسجد .. يحجبهن عنه الحاجز الخشبي بطول المساحة الشاسعه المخصصة للنساء .. فأعتلي إحدى أطراف العواميد لأرى الساحة .. كم هي جميله! 
"ليه كده .. ده المكان جميل أوي ليه يقفلوها علي الستات كده يعني؟!"

"ممكن الواحد يجيب حاجاته و ييجي يذاكر ف المسجد"

"إنتي عارفه إن المسجد كان كده زمان؟ .. دول كانوا بيلعبوا مصارعه ف المسجد ايام الرسول!"

"تخيلي لفظ إختلاط ده موردش ف السنه أبدًا! .. كان فيه حدود للتعامل طبعًا بس مكانش فيه الحاجز اللي محطوط دلوقتي قدام الساحه! .. ده كانت فيه امرأه أشارت علي النبي إنه لازم يبقي ظاهر لكل الناس و هو بيتكلم عشان كان بيبقي جالس ف مستوي الناس ف اللي ورا مكانوش بيشوفوه و من ضمنهم النساء .. تفتكري بقي كان فيه حاجز!!"

خرجنا من المسجد .. لندخل سوق الفسطاط

كل شيء كان هناك رائعًا .. جميلًا .. و بسيطًا ..
لن أنسى ذلك الطاووس .. و الفتاة التي تعزف علي الكمان .. و الرجل الذي يعزف علي كمان أيضًا .. جميعهم مصنوعون من المعادن و الخردوات المعدنية!

نسير باتجاه المترو .. يلفت نظرنا محل للهدايا .. أدخل للاستكشاف .. فتتبعني منه .. الباب صعب الفتح فتفتحه لنا امرأة بالداخل ..

نقترح عليها أن تبدأ علي الفور بنشر بضاعتها علي الانترنت .. لأنها مميزة جدًا .. و نعدها بأن نساعدها .. نجلس معها .. و بعد دقائق ..

تبوح و تبوح و تبوح .. بالكثير جدًا .. و تبكي! .. يا الله! .. نحاول أن نهدئها .. تتكلم عما يوجعها .. خيانة ما .. فقدان لثقة ما .. و طفلتين لها .. رقيقة هي جدًا .. نشعر أننا أتينا اليوم هنا .. في هذا الوقت لندعها تتكلم .. نرد عليها .. بل أرد عليها أنا .. بكل ما يجب أن اسمعه! .. رغم أن الكلام عاديًا جدًا .. 

"فضيلة الاستغناء"
"متعلقيش سعادتك علي حد"
"لازم تبقي بتحبي نفسك عشان تعرفي تحبي أي حد"
"اثبتي لنفسك إنك قادرة علي فعل شيء .. و متقفليش المحل زي ما كنتي عاوزه"

و بين بكاء و بوح .. فبكاء و بوح .. 

هي تعرف الفرق بين أعمارنا و أعمارها .. رغم ذلك تستمع .. و تتكلم .. و تبوح ..

و بعد حوار طويل لم يوقفه سوى مكالمات من أصدقاء ينتظروننا بوسط البلد .. وعدتها بالعوده لنناقش أفكار كثيرة كانت قد طرأت علي بالي و أخبرتها بها فور تعرفي عليها.

خرجنا مذهولتان أنا و منة .. يا الله .. إن الله يبعثنا رسلًا بالطمأنينة بيننا و بين بعضنا ..

"أنا اللي هيفتح بقه معايا ف موضوع العمر و الخبره و اكبر منك بيوم و الكلام ده هوقفه عند حده بعد كده"

"يخليكي لينا يا دكتورة سحر و الله .. نون دي صحيح جتلي متأخر .. بس كانت مهمه عشان أعرف اني ماشيه صح"

نصل ..

و أقضي يومًا من أحلي الأيام بصحبة رفقة أحبهم و لهم في القلب مكان لا يخلو منهم أبدًا .. و أذهب فأعود و أذهب فأعود .. لأنتظر صديقة ثم أذهب .. بعد أن ضحكت و ابتسمت و كنت.

دعاء و يمنى .. و السبح!

كنت أظنه لن يلاحظني هذه المرة .. و لكنه ألقى التحية "ازيك عامله ايه؟" .. رجل المحطة الذي أعرف أني لن أكف عن الكلام عنه بجملة كل مرة أراه فيها -أو لا أراه- .. حتى أكتب عنه قصة! .. أظنني ارد التحية دومًا حتي اتذكر هذا الأمر .. لربما لو لم يلقها هو علي لذهبت إليه و ذكرته!

شجار خفيف علي باب المنزل .. فأحاول الاتصال بشخص قد يستطيع السيطرة علي الموقف .. "لقد نفذ رصيدكم" ..

"و الله ما عارفه مين فينا اللي نفذ رصيده!" 

نسيت أن أعيد شحن هاتفي قبل الوصول للمنزل .. فأبعث له بـ"كلمني شكرًا" و بعد كثير من الشكوى و طلب الحل .. يصبح الرد الطبيعي "معلش .. استحملي .. ركزي"

فيزيدني الموضوع استفزازًا فأقر بأن هناك أشياء كثيرة لو تكررت أو أشياء بعينها حدثت .. "أنا ممكن أعمل أي حاجه عشان أبقي مرتاحه"

فتنتهي المكالمة بشيء من الاقتضاب .. اعرف مداه بعدها بساعات .. خاصة و قد قمت بمحو رقم ما من هاتف أحدهم!

***

"طب و الله بفكر فعلًا .. أدرس تاريخ المعالم دي كلها .. و أرتب رحلات مدرسة و ناس و أي حد و اروح ان شالله كل اسبوع و أشتغلهم بقي مرشدة سياحية محلية"
"للدرجادي؟"

***

يعرف جيدًا حجم الابتسامة التي ترتسم في هذه اللحظة علي وجهي الذي يشرق بحضوره .. حتى يتساءل .. و لا أجيد التعبير و لكنه يفهم!

***

مكادي نحاس! .. ما كل هذا الحزن .. بربك! .. هل يقوم البعض بالضغط علي مواضع الألم بدلًا من علاجها؟

و أنا أيضًا .. أريد أن أصلي!

***

نقاش طويل حول فتن الذي .. و كيف شوهت عفاف راضي هذا الموشح! فنشترك في الضحك سويًا

***
أتعثر في جملة حوارية .. كتبتها علي صفحة وسط الأرقام و المذاكرة:

- و كيف يحيى الأحياء يا يحيى؟
- يتشبثون بذاتهم قدر الإمكان!

***

تاج علي صورة .. لفتاة يقال لها المرحومة! .. أتردد .. أأزيل التاج؟! .. لماذا الآن! .. هل عندما أموت سيقوم أحدهم بنشر صورتي بنفس الطريقة و يقوم بعمل تاج لغرباء ربما يعرفونني و لكنهم لا يعرفون شكلي؟ .. و يطلب منهم أن يدعوا لي بالمغفرة و الرحمه؟! .. هل!

***

قد يعكر صفو هذا اليوم أشياء كثيرة .. تنتهي بفهم! .. بضحك من القلب .. بوجه مشرق .. بسبحة حول معصمي أتفاءل بها .. بأمنية .. بإدراك .. بنضج .. بشعور بأني قد أكون كبرت .. و أعرف معني الكلمة رغم أني لا أمارسها كثيرًا

و لكني أنظر للسبح .. للبخور .. لهدايا الأصدقاء .. أنظر إلي نفسي و قد اقتنصت من هذا اليوم أسباب صغيرة للفرح .. 


*Ingrid Michaelson - Keep Breathing

5 comments:

  1. رائعة :)ما شاء الله
    شدتني لمتابعة قراءتها حتى آخر فقرة
    بالتوفيق

    ReplyDelete
  2. أسلوبك اكتر من رائع

    واللى شدنى اكتر ان عليا بكره امتحان "عماره مسيحيه" :)

    ReplyDelete
  3. It is so beautiful,,keep going ^^,

    ReplyDelete
  4. have nothing to say
    but feel good

    ReplyDelete