15 September, 2011

سبحة



"و الذاكر الله كثيرًا"
منذ فترة قليلة و أنا اقرأ في العقيدة كنوع من الرجوع إلى الأصل .. رجاءًا في الراحة المثلى و الممكنة في الحياة الشاقة التي نعيشها علي سطح هذا الكوكب، كانت دومًا قضايا عديدة تتعلق بالعقيدة و الشعائر الدينية علي وجه الخصوص أحتاج إلى أن أفهمها بما يرضيني لأستطيع القيام بها فترضيني .. لا كما يُشاع عنها فقط من فضائل و ثقل في ميزان الآخرة. و قد كان "الذكر" من أهم الشعائر التي كان يصعب دومًا استيعابي لفهم تأثيره علي حياة الذاكر .. و كان للمدّعين أو للفاهمين حتى و لو بحسن النية كل الأثر في أني لم افهم فكرة الذكر فكنت أكتفي بأن "أتذكر" لا أن "اذكر" .. فمنذ سنين و انا لم افهم الذكر سوى انه عدد من المرات التي تقول فيها مجموعة كلمات لها معنى جميل كـ"سبحان الله" و "الحمد لله" و "لا حول و لا قوة إلا بالله" و غيرها .. تكرره عددًا من المرات لتكتب ذاكرًا فتصبح مجاب الدعاء أو يوسع الله في رزقك .. أو ما شابه من فضائل الذكر.

و مؤخرًا بدأت أقرأ فيما وراء الشعائر، و قد ساعدتني أجواء رمضان الروحانية في ان المس عمق الشعائر و مظاهر العقيدة المختلفه بما يصل بينها و بين الروح لا الظاهر فقط. كان من الدعاء الذي أكرره في رمضان "اللهم اهدني لما تحب بما أحب" .. حتى أتتني "سبحة" هدية قريبة من قلبي فلم تفارق يدي أو حقيبتي طوال أوقات الانتظار.

كان الانتظار مفتاح للتجربة .. و في الصمت اكتشاف.
الصمت في البداية طاقة للاكتشاف .. في هذه الدقائق الطويلة من الصمت سواء قبل النوم أو في ساعات الانتظار الطويلة يكسر الذكر حاجز المنطقة المبهمة في الصمت و لكن إحساسي وقت الذكر يشابه إحساسي وقت الصمت تمامًا .. هذا الهدوء و التأمل بلا أي صخب .. هذا السكون في الروح .. التنفس بعمق و التفكير بعمق و النظر بعمق .. ترك كل شيء مما يترك في النفس جدلًا لا يفيد .. فقط بعض التأمل.

في هذا الطريق الطويل في المواصلات .. هذا الانتظار الطويل .. ليس معي من الكتب ما يحمل عني الملل .. أخرجت السبحة أستكشفها في حالة من الصمت معها .. معي.

أول ما تبادر إلى ذهني هو "و قليل من عبادي الشكور" فكان أول ما بدأت به "الشكر لله" .. و وجدتني اتعامل مع السبحه شيئًا فشيئًا بارتياح .. فالشكر أقرب الذكر لقلبي عادة في الصلاة .. مع مرور أوقات الانتظار مرة تلو مرة .. بدأت أدرك فوائد اخرى للذكر لم يذكرها الداعون للذكر .. بقدر ما يذكروا فضل الذكر في الثواب و الحسنات و الندم الوحيد لأصحاب الجنة.

في الطريق صبر .. و للصبر أيام و أرقام ..
الحبة تلو الحبة .. لتنتهي السبحة و أبدأ حيث انتهيت من جديد .. كأنها طريق أبدأه و أعيده مرة تلو المرة .. و أضاعف الأرقام في العدّاد .. فأصل إلى أرقام لم أظن يومًا أني سأصل إليها!

كيف لكل حبات الصبر أن تتكرر دون ملل إلا بالذكر؟ .. هذه الأعداد ليست في كميتها و لكن في قدر تكرار وقعها علي الروح .. ذلك الاحساس بالمعية أو أنك تعيد ذكر يحبه الخالق .. فكرة سهل الحديث فيها بقدر ما يصعب أو لا يُدرَك استيعابها إلا بالتجربة فعلًا .. فأدركت معنى "الصبر جميل".

الذكر .. كلمات قابلة للتدريب عليها بالتكرار ..
مع مرور الوقت .. مع التكرار .. مع انتظارات مختلفة .. أشرقت في ذهني فكرة لم ألحظها من قبل. الذي يذكر الله كثيرًا .. تسبيحًا و حمدًا و شكرًا و تهليلًا و غيرها .. الذكر بأي شكل، يدرب لسانه علي كلمات بعينها .. فلا يمكن للذاكر إن لم يكن مستحيلًا .. أن يسب أو يشتم .. رويدًا رويدًا سيصبح صعبًا، بل لن يتبادر لذهنه أو يجري علي لسانه غيبه أو نميمة أو لغو فيما لا يفيد .. الأمر بدا لي فجأه أنه تدريب للجوارح و إن كان ليس فرضًا و لكن نتيجته فُرضت .. و لا تأتي النتائج إلا بالاسباب!

الحب يبدأ بالذكر .. فالذكر تذكر و صبر و اكتشاف و صمت و تنقية .. فاذكروا الله تتذكروه.