23 September, 2011

ما قد يكفي لانتظار نوفمبر


تبدأ الكتابة دومًا بسؤال .. 


لماذا لم اكتب حتى الآن؟ 

يقال أن الذين يكتبون هم أكثر الناس ترتيبًا لأفكارهم .. فهم يعبرون طوال الوقت عما يشعرون به، ما يفكرون به، و حتى يكتبون تلك الأصوات التي تدوى في عقولهم لتجعلهم يهرعون إلى أقرب ورقة و قلم فيدونون جملة لو افلتت لن تعود. 

من هنا إذا توقفت عن الكتابة .. هجرتني الجمل .. جملة تلو جملة لم يعد سهلًا تركيب جملة مملة حتى .. لمجرد أنني كففت عن التساؤل منذ وقت ليس بالقصير .. بالرغم من أن الأجوبة ليست معي علي أي حال .. و لكن يكفي أن أتساءل الآن لأكتب لعلي أجد علامة استفهام هنا أو هناك أبدأ من بعدها سطرًا جديدًا في رواية غير مكتملة كالعادة لأبدأ بالكتابة في نوفمبر ككل عام! 

ربما هو الحب .. ففي الحب نفعل شيئًا واحدًا .. نحب أو نكتب .. والتساؤل كثيرًا مع شخصية فضولية مثلي سيضر كثيرًا بقصة حب! 

أو هو الشتاء .. الشتاء يعطينا هذا الصمت .. هذا الشجن الذي ليس له اسباب .. أن نتوقف عن الحركة .. نتجمد .. نرتعش .. فيصبح قليلًا من الدفء كافيًا للتساؤل عن مصدره! 

لا أذكر متي كانت آخر مرة كتبت .. أقصد بالكتابة .. الكتابة في عقلي .. أن تومض جملة في وسط كل هذا الظلام أكتب علي هداها قصه أو نص عن فكرة كانت في أعماق الروح .. أخرجها علي السطح نظرة، أو كلمة، موقف ما .. ربما انتظار لفنجان قهوة لا أشربه أبدًا! 

أذكر هذه الأيام .. حين كنت أكتب يوميًا .. كل ما قد مر علي روحي .. فأراقبها حتى لا تحترق أو تتجمد .. ربما لأنني لم أعد أكتب عن كل شيء .. أذكر فنجان القهوة الذي كنت أعده و كتبت عنه "طعم الوطن" .. و أذكر أيضًا ذكرى الطيارات الورق التي كنت أستطيع رؤيتها بوضوح و أنا في شرفة منزلنا القديم .. حيث كانت بداية جيدة لقصة من ثلاثة أجزاء لم تنته بعد .. و قطعة البسكويت البوريو التي بدأت بسببها رواية لن تكتمل ربما لأنها "أنصاف اشياء" .. و الأطباق التي علي أسطح المنازل التي كتبت علي إثرها "بهجة" .. صحيح، أين ذهبت "بهجة"؟ .. بحثت عنها كثيرًا بين أوراقي القديمة لم اجدها! .. ربما هي الوحيدة بين تلك الأوراق التي قد اكون تخلصت منها يومًا ما التي تستحق القراءة .. حاولت كثيرًا أن أعيد كتابتها .. أتذكر جيدًا أني وقفت عدة مرات في شرفة منزلنا القديم أحاول أن أكون في ذات الحالة و أفكر في نفس الفكره و لكني لم أفلح .. لن تُكتب ثانية بهجة .. أتذكر دومًا منزلنا القديم .. دومًا أحلم به .. لم أحلم يومًا بمنزلنا الجديد .. أحيان كثيرة ما أزال ألقبه بالجديد .. أعي جيدًا معنى أن أحلم ببيت قديم .. أفهم أحلامي أغلب الوقت .. و لكني اتذكرها كل الوقت .. ظلت أحلامي فترة طويلة جدًا سببًا للتساؤل و بالطبع سببًا للكتابة. 

قد يجعلني أي شيء أكتب حتى لو كان مشبك للغسيل ..هذه إذًا حيلة فاشلة و مملة لأن أبدأ الحديث عن جدتي .. التي كتبت عنها بعد وفاتها بفترة .. فأنا أدرك هذه الأمور في غير أوقاتها دومًا .. قد أشعر بفقد ما قبل أن تفقدني الأشياء .. و قد أفقد الأشياء و لا أزال أحملها. جدتي و مريم و بلقيس و الأم الغول و أم موسى .. لماذا أنا مهووسة بالكتابة عنهم هكذا؟ لماذا أهتم بهم و تطول القائمة مع الوقت .. تقول لي دومًا شقيقتي أن مريم هي "الندّاهة" التي تندهني دومًا .. حقًا فما يحدث يصعب تفسيره خاصة و أنا اؤمن بأنه يحدث حيث يؤمن آخرون أنه لا يحدث .. لا يهم فلن يفهم أحد عن أي شيء أكتب .. أنا دومًا أحب أن أكتب بالرمز فيفهم الجميع شيئًا آخرًا غير ذاك الذي أقصده .. فاستمتع و انا أرى تعليقات الناس علي ما أكتب بعيدة تمامًا عما كتبت في الأصل. ربما هو نوع من الهروب من الحقيقة إلى حقائق جديدة يشكلها الجميع عداي .. لا أظن أنني قد فقدت عقلي إلى هذا الحد .. و لكن مادام كل شيء علي ورق .. فكل شيء قابل للتساؤل .. و كل شيء قابل للكتابة! 

"نهرب دومًا إلى الاعتراف بضمائر لا تشير إلينا علي أي حال" .. هكذا كتبت يومًا .. و سأكتب دومًا .. أعشق اسلوب الخطاب جدًا خاصة خطاب أم لابنتها .. و دومًا أحب أن أقوم أنا بدور الأم في الكتابة حتي في تلك النصوص التي لا يتضح فيها أبدًا أنها أم تخاطب ابنتها .. هل خلقت أمًا أخرى داخلي تحدثني من وقت لآخر؟ .. أم أن الأم التي داخلي بدأت نشاطها مبكرًا؟ هل هذا مرتبط بعقدة الأمومة عندي؟ .. ربما، لا أعرف لكن بالطبع ابنتي ستجد الكثير لتقرأه مكتوبًا إليها علي أوراقي أو ربما علي كتبٍ تحمل اسمي .. لا أظنني سأنتهي من عمل كامل له غلاف و دار نشر! .. فأنا دومًا اقع في "أنصاف الأشياء" و "العبث" .. أعرف أن الرواية كان اسمها البعث .. و لكن لن يتذكر أحد سواي هذا الاسم .. لماذا لا يكتمل لي شيء؟ هل أخاف الاكتمال؟ ام اخاف ان أجدني في كتاب؟ .. كثيرًا ما آمنت بأن الكتب التي يكتبها الأدباء هي أجزاء من أرواحهم في الأصل تتشكل بالكلمات .. نعم لقد حذفت "في هيئة كلمات" .. أكره الحذف كثيرًا .. ها قد حذفت أيضًا جملة بدأتها و لا أذكرها .. إنه الاسترسال .. أن أكتب و لا يوقفني شيء .. أقول كل ما يجول بخاطري بلا قيود أو حواجز بيني و بين الأوراق أو لوحة المفاتيح .. تبدو الكلمة لي غير شاعرية أو رومانسية .. "لوحة المفاتيح"! .. كلمة جافة لا تعبر عن أي معنى أعمق من كونها .. لوحة مفاتيح! .. أكره الكلمات الجافة و الكلمات المكرره .. تأسرني التعبيرات الجديدة .. أذكر أنني بسبب حبي للتعبيرات الجديدة قرأت رواية كاملة لأحلام مستغانمي في ليلة واحده! كانت "فوضى الحواس" علي ما أذكر .. فرواياتها طويلة و مملة و لا توجد بها أحداث تُذكر و لا تعبر سوى عن امرأة تعشق الرجال و تلعنهم في الوقت ذاته بل و تصب غضبها عليهم في كل فرصه .. مسكينة هذه المرأة! .. بعدها قرأت لها رواية أخرى "ذاكرة الجسد" أخذت ما يقرب من أسبوع .. مضى كثير من الوقت لم أقرأ .. كذلك أصبحت بطيئة في القراءة لا أعرف السبب! و لكن ربما لأنني لفترة ما لم يعد لدي ذلك الشغف للكتابة كالسابق. 

تصيبني الحيرة دومًا كالآن .. حين أضيف جملة في وسط الكلام .. أضفت: و لا تعبر سوى عن امرأة تعشق الرجال و تلعنهم في الوقت ذاته بل و تصب غضبها عليهم في كل فرصه .. مسكينة هذه المرأة! .. بعد ان انتهيت من الجمله .. كذلك كذبت حين قلت "علي ما أذكر" .. فأنا اتذكر جيدًا ان الرواية كانت فوضى الحواس .. أذكر أيضًا أنني قرأتها لأن مدوِنة صديقة لا أذكرها للأسف .. هذه المرة أنا صادقة! .. كتبت عن فوضي الحواس جمل قصيرة ووضعت صورة للغلاف .. في الحال حملتها علي جهازي و قرأتها في ليلة واحده .. أشرق الصباح علي و أنا أنهيها .. ربما أذكر اسم الرواية .. و لكني بالطبع لا أذكر أحداثها .. و لكن أتذكر جيدًا مشهد السينما و مشهد المقهي .. ربما المشهدان كانا في ذاكرة الجسد .. حقًا لا أتذكرها! .. لا يعجبني في أحلام سوى انها تستعرض ثقافتها .. فتزيد من قائمة فضولي .. تقتبس من هنا و من هنا و تدمج تاريخ الجزائر في رواياتها .. أعترف بأنني أحبب جسور الجزائر التي لم أرها من رواياتها .. أتذكر جيدًا حين شبهت الجزائريين بالجسور بين الجبال تمامًا كجسور الجزائر .. عالية جدًا و لكن هناك هوة عميقة في الأسفل مظلمة .. و لا أتذكر ماذا كانت تقصد! .. أهتم دومًا بمثل تلك التفاصيل و التعبيرات التي لا يهتم بها احد .. أظن أن النساء من الكتّاب يهتمن بالألفاظ علي حساب المعنى .. ربما هذا ما جعل أغلب مبيعات أحلام مستغانمي مثلا من النساء .. و القلة القليلة الأخري من الرجال ذوى الفضول لما تقوله أنثى تكتب علي كتابها الأخير "يحظر بيعه للرجال". 

لا يهم .. أظنني تكلمت كثيرًا عن أحلام .. ربما لأنني هذه الأيام تراودني أحلام لأول مره لا يصيبني شغف لكتابتها .. فهي مخيفة بعض الشيء بغموضها المريب .. و هذه الأيام أرى أشياءًا كتبت عنها من قبل .. لماذا صحيح أظن يومي ضئيلًا جدًا بحيث اجدني لم افعل شيئًا مع أنني فعلت .. أنا لم أعد أجيد العدّ جيدًا .. ربما انا لا أجيد العدّ في الأساس .. و قد يشهد علي ذلك سنترال رمسيس .. لا ترهق ذهنك بالربط بين العدّ و مبنى سنترال رمسيس .. فهذا شيء لا يعرفه سوى شخص واحد .. في الأغلب قد خمنته .. أصبحت مرتاحًا الآن لأنك عرفت سرًا عني؟ .. فانتبه إذًا لأنني مَن كتبته .. يثير ضجري هؤلاء الذين يتهموننا بالحب .. لأننا نكتب عنه .. لا أظن أن الكتابة دليل إدانة و لا الحب تهمة في الأساس! .. أكره هذه العقول الغير منطقية .. لماذا يهتم أحيانًا القرّاء بكشف حياة كتّابهم من خلال كتاباتهم؟ .. أعرف أن من سيقرأ التساؤل الأخير سيتساءل .. هل انا اتهم احلام بأنها امرأة تعشق الرجال و تصب غضبها عليهم .. أظنني بريئة .. كتابها الأخير مزري جدًا .. و سيء للغايه .. جيد لذوات الصفعات المتكررة .. أوه أبدو و كانني امرأة حديدية بذلك التعبير! .. كفاني حديثًا إذًا عن احلام .. لا شيء بيني و بينها .. هي ليست من كتابي المفضلين .. أنا فقط أحب ألفاظها .. أحب جدًا وصفها للحب بأنه "الخراب الجميل" لا أعرف لماذا هذا التعبير بالذات علق بذهني منذ أول مرة قرأته. ربما لانني كنت حينها أحمل خرابًا ما .. ليس جميلًا بالطبع! 

هل سينتهي بي الأمر أن أكتب دومًا عن الكتابة ذاتها؟ هل ما كتبته يكفي إذًا لأبدأ في الكتابه؟ .. ربما ما كتبته يكفي لأن أنتظر نوفمبر! 

و ككل مرة سأتوقف فجأه .. ربما لذلك لم يكتمل لي شيء قد يصبح جاهزًا للطباعة! .. نعم لأنني متسرعة انهي نصوصي سريعًا .. هل أخاف أن أفشي سرًا ما؟ .. لا أظنني امتلك أسرارًا تذكر .. بضع عقد في الطفولة تكفي لأن يخاف المرء حمل الأسرار مجددًا .. هنا يمكن أن انتهي .. 

23 سبتمبر 
2011 

في ساعةٍ ما من الصباح

2 comments: