12 February, 2012

الموت أسأل! .. لماذا؟


نحن نهتم بهم فقط حين يموتون .. ليس لأننا نحبهم .. و لكن لأننا بطريقة ما نحب الحزن و نُقدس العزاء .. لماذا لا نهتم بهم في حياتهم و على أعينهم؟؟ .. الموت هو الحقيقه الوحيدة التي يجتمع عليها البشر جميعهم .. و هو أيضًا مُفتاج جميع الحقائق الأخرى!

لماذا حين يموت الناس لأنهم كانوا في مواجهة الرصاص بالأحجار .. يصبحون بلطجية؟

لماذا حين نُطلق على مَن نُطلق "شهيد" فيما بعد .. و يُطلق هو على نفسه "شهيد تحت الطلب" فيما قبل .. تصبح قضية البعض بعد موته .. ((هل يستحق لقب "شهيد"؟)) .. أخبروني فقط قبل مماته هل كان يُعامل بالطريقة التي يستحق بها لقب "إنسان"؟!

الموت يكشف الجميع بحق! .. جنازة في التحرير لا يتعدّى عدد من فيها المئتين .. و جنازة أُخرى في ذات اليوم تتعدّى عشرات الآلاف .. فقط لأن الأول لا يحمل كالثاني كلمة قبل اسمه تُدعى "شيخ" .. رغم أن الإثنين قد تم الموافقة عليهم من "هيئة منح لقب الشهادة" .. بأنهم "شهداء"!

لماذا يموت بيننا الجميع دون ثمن؟ .. الموت يكشف الجميع .. يُعرّي الجميع .. لماذا يبيعونهم أحياء و يشترونهم أموات؟ .. يُدافعون عن حق الأموات و يتركون الأحياء ليموتوا في نفس الوقت! .. أي عبثية هذه؟!

نحن نُدرك الموت متأخرًا .. نُدرك الفقد متأخرًا .. نُدرك الفاجعة و نبكي مُتأخرًا جدًا ! .. و لكن صار لنا كُل يوم عزاء! .. ألا يكفي؟ .. لكي نُدرك الموت الذي اصبح في كل شيء .. حتى قلوب الأحياء!


مَن يُدافعون عن هيبة البلاد .. لا يدافعون بالطبع عن هيبة العباد .. و كأننا نعبُد البلده .. لا يُدافعون و لا يتحركون سوى لهيبة البلده .. أليس الناس هُم البلده؟!

هلا تُدافعون بعض الشيء عن هيبة الموت؟ .. لقد أصبح الموت في بلادي شيئًا بسيطًا .. نسمع عنه كما نسمع نشرة أخبار الطقس! .. "تهب رياح "تغيير" هتافية .. و لكن تقابلها عواصف رعدية و موجه من الرصاص الحيّ و الخراطيش" .. ألا نُدرك أن للموت قُدسية؟ .. حافظوا حتى على هيبة الموت .. فلم تعُد كلمة "موت" تُرهب أحد .. حتى أصبحت لا تُحزن أحد!

من فضلكم .. كُفّوا عن وضع الأشرطة السوداء على الصور! .. لماذا تتسع الذاكرة لأشياء كثيرة .. و لا تتسع لذكراهم دون شريط أسود على صورهم و هم مبتسمون؟ .. لماذا لم يكن هؤلاء ورود الوطن .. سوى بعدما ارتوت أرضه بدمائهم! .. الأرض ليست قاسية لهذه الدرجة! .. أتعجب! .. متى جرّفتموها حتى أصبحت بهذه القسوه .. ألا تزهر الورد إلا بلون الدم!

ألبوم صور بعد كل مذبحه! .. لا يحتوى على الجميع بالطبع .. فالضحايا كُثر .. و الوجع أكثر! .. يُكتفى بعينة من الوجع كُل مرّة .. عينة يُمكن أن تطلق على أمواتها بأنهم "أبناء الناس" .. أما الذين لم يكُن لهم أصدقاء من الصحفيين أو حسابات "فيسبوك" و "تويتر".. أو لم تكُن قصّتهم مُثيرة بالقدر الكافي لتُصبح في مُستهل إحدى الجرائد و تحتها عنوان عريض .. يحتوي بالطبع على كلمة "شُهداء" .. و يتساءل عمّن يُسمَوْن جُزافًا "بلطجيّة"! .. هؤلاء ليسوا "أبناء ناس" .. هؤلاء سقطوا من كُل شيء حتى موتهم!


لماذا يُصبح الأسى دومًا على مًن مات قبل أن يُكمل دراسة الطب و لم يتزوج كما تمنّى .. و لا يُصبح الأسى -أيضًا- على مَن مات عاطل ظل لأكثر من أربعة أعوام يبحث عن وظيفة و لكن لا جدوى! .. هل للموت "مكتب تنسيق"؟!

لماذا يُمارس إعلاميون العُهر صوت و صورة .. بلا خجل! .. يحشدون النّاس ضدّ الحق .. و يرمون التُهم .. ثم يتغاضون عنها لأنهم "مُرتبكون"!!

لماذا يُصر السياسيّون تحت القبّه .. أن الذين يموتون بالخرطوش و يحتضرون بالغاز ليسوا مِن ضِمن الشعب الذي أقسموا على رعاية مصالحه .. أكان يجب أن يكون القسم -أيضًا- على أن يرحموا دماء الشعب! .. لماذا أصر الكثير منهم على القسم على شرع الله .. و لم يوَفّوا بقسمهم .. ألا يعرفون أن "جهنم ليس فيها مراوح"؟**

لماذا تتجه التُهم إلى موتانا و هُم يُنقذون العِلمَ من المَحرَقة .. لماذا لا يهرعون إلى حماية مناطق الرحمة المُتفرقة بالميدان تعجّ بالجرحى من دنس الأشرار .. كما يحمون "منصّة الاحتفال" و يعزلون الشعب عمّن "يدّعي" أنه يُمثّله في مشهد هزلي؟! .. لماذا لا يُوَاجَهون بخِسّتهم حين تغرق مساجد القاهرة القديمة في مياه الصرف الصحّي! .. أين "شرع الله" في بيوته؟! أين "شرع الله" في أرضه!


أليس "شرع الله" أن يُحاسب الجميع على كُل شيء؟ ..فلماذا يتحدثون عن "الخروج الآمِن" للقتَله و لم يتحدثوا عن "الخروج الآمِن" لمَن هاجم النظام بهتافات ظنّ الكثير أنّها بذيئة .. في حين أن بذاءتها تُعَد براءة و طُهر بجانب بذاءة الحُكّام! .. عَفوًا .. فبوابة الخروج "ملحومَه ولن يخرُج أحد دون حساب!**

لماذا يُحافظون على حصانة "العضو" و لا يُحافظون على حصانة "العِرض"! .. لماذا يُصر هؤلاء على حياكة  "البدلة العسكرية"؟! .. فليخبرهم أحدٌ أن لا شيء يُسمّى "البدلة العسكرية" .. هي فقط أسطورة كأسطورة "المَلك العاري" حين ستر الناس عُري المَلك بصمتهم .. و عرّوا أنفسهم!

لماذا هُم مُصابون بقصر نظر أوّله في كرسي تحت القُبّه و آخره أنبوب غاز لا يجدوه .. و هُناك خط كامل للغاز يضيء الشوارع في منطقة أخرى من العالم .. هل هذا يُدرَج تحت بند "الصدقة الجارية"؟ .. لا أقصد بذلك إسرائيل فإسرائيل تحاول إسقاط الدولة التي تُصدّر لها الغاز بثمن بخس .. و تساعد على إقامة ثورة من مطالبها "إعادة توجيه خط الغاز و خط الكرامة من هُناك إلى هُنا" .. ضحكٌ كالبُكاء! .. لماذا يُصر السياسيون على أن نؤمن كُل يوم بقذارة هذا العالم و جَمال الموت .. و الموت هُنا يُصبح إجابة بسيطة و منطقية و سريعة و فورية غير شاقّة على وقاحة هذا العالم!

لماذا ذاكرتهم قصيرة أيضًا؟! .. أليس بالأمس القريب كانوا يُعذّبون في المُعتقلات و يصبح منهم أمواتًا؟! .. لماذا العنف ضدّهم كان اضطهاد و ضدّنا دفاعًا عن دولة القانون و هيبة الدولة؟! .. أين الدولة .. أليس الإنسان هو الدولة؟ أليس الإنسان هو البلده؟! لماذا لا يتكلمون عمّن زُجَّ بهم في ذات السجون بذات الطريقه؟!

لماذا يموت الأطفال مشنوقين و مخنوقين في مباراة كره .. و لا يموت مَن يظن أن بعض المال كافي لنسيان المأساه؟! .. لماذا يموت الشباب مُثقلين بالحديد و الحلم .. و لا يموت مَن ثقُلت بطونهم من الحرام حتى خشوا القيام من على العرش!

لماذا لا يموت مَن يُخطيء في عدّ موتانا .. و يخطيء في عدّ الأحلام و الأوجاع و الأماني؟! و يُسمّيهم "ضحايا حادث" كأنهم ماتوا إثر "ماس كهربائي".. و لو حتى .. فهو المسؤول!

لماذا يموت طفل مشنوقًا و لا يُشنَق مَن يعتذر بسهوله عن حضور المسرحية لسوء الأحوال الجوّية .. اي هزليه و سيرياليه دمويه هذه؟!

لماذا لا يموت الأشرار الآن؟ .. لماذا يموت الأشرار دومًا في آخر الحكاية؟ بعد أن يفقد البطل جميع الأحبة؟ .. كيف يحتفل بموت الأشرار و ينعى أصدقاء الحرب الطيبين في نفس "الميدان"؟!

إن كانت حياتهم الطويلة ليُمهَل لهم و حيواتنا القصيرة لنرتاح من كل هذا العبث .. فما الحكمة وراء حياة الموجوعين .. لماذا يصبحون فجأه مُخرّبين .. لأنهم غاضبون .. لأنهم بشر طبيعيون يشعرون بالغضب و الحزن و الإحباط!

لماذا يجب أن يألف هذا الشعب الموت؟ لماذا يموت كل هؤلاء شُهداء في قطارات و عبّارات و مُعلقين على أعمدة إنارة في غير بلادهم أو جوعًا و عطشًا لأن أحدًا لم يهتم أن يرفع أنقاض جبل تهدّم على البيوت! .. و غيرهم و غيرهم .. يسقطون من الذاكره ليحل مكانهم آخرين .. ماتوا أيضًا!

لماذا يموت العُزّل تحت عرباتهم .. جميع عرباتهم العسكرية و الأمنية و العادية .. عرباتهم تدهس أرجلنا لأن الأرض تُحبنا .. و لماذا -أنا- كُلّما عددت موتانا يسقط مني بعضهم نسيان؟!

لماذا لا يوجهون جميعهم اسلحتهم لتحرير حرم الله الأول .. بدلًا من قتلنا؟ ما المبرر؟ المبررات واهيه لا أقبلها شخصيًا .. كُلنا أموات نعيش مؤقتًا لنعود لله ثانية .. ألم يخبرهم أحد أننا جميعًا ميتون؟!!

لماذا الموت؟! .. يرحم الله الطيبين بالموت و يُعاقب الأشرار أيضًا بالموت.

لماذا نحن قلّة يا الله؟ .. إن كُنّا قلّة لحكمة .. فأتمّها علينا .. عبادِك تعبوا من الموت .. أرهقهم الموت السهل و الحياة الصعبة!

يا الله .. إن كان الموت شهادة لنا عليهم يوم الحساب .. فأتم لنا الشهادة في حرب تحفظ لنا الروح.

يا الله .. إرزقنا بدموع تكفي الموت كي لا نعتاده.

يا الله .. لقد تعبت!

_________________________________

**التعبير للراحل جلال عامر: " فضحت السماء فساد أهل الأرض .. وإذا كان الكفن ليس فيه جيوب فإننا نذكرهم أن جهنم أيضًا ليس فيها مراوح".

**بوابة الخروج الآمن ملحومة: أحد الجُمَل المكتوبه على قصر القُبّه أثناء مظاهرات وزارة الدفاع (الجُمعه 10-2-2012) الصورة هنا