12 July, 2012

كان يظن أنه يعرفها



هي كانت ..

في هذه اللحظة أدركت أنها اتخذت القرار السليم .. حين واصلت تسنيم علي المكوث نصف ايامها معها و حوّلت غرفتها لمرسم و ترك محمود نصف متعلقاته بغرفته القديمة لأنه بالطبع سيعود إليها بعد كل بطولة .. مهما كان عليهما أن يذهبا للعيش مع أبيهما أخيرا فقد اعتادا على العيش مع أمهما
***
حكايتها مكررة .. في كل مرة تفكر .. تقرر .. تتخذ القرار السليم .. و علي آخر لحظة تعود ككل مرة من أجل الأولاد
****
أدركت مؤخرًا أن تسنيم لم تعد تتكلم عن حكاياتها في المدرسة ككل يوم .. و محمود لم يعد يهتم بمواعيد التدريب .. تعرف أنها لم تعد قادرة علي العطاء أكثر .. حتى لأبنائها
من أجلهم بقيت .. و من أجلهم تريد الرحيل .. تعرف جيدًا أنهم سيكونون أفضل .. ستستطيع أن تكون أمًا كاملة لهم
***

ستعود رغم بكائها الموجع .. ستعود  .. ستعود لينتهي الخلاف تحت ضغط "إستحملي عشان ولادك" .. أو إقتداءًا بـ"الست العاقلة اللي متخربش علي نفسها" .. أو "الست الناصحة اللي متشمتش الناس فيها" .. أما هي فخارج المعادلة تمامًا .. كأن وجودها في المعادلة يخل بموازينها.
-          مش هينفع .. أنا لازم أطلق
-          معندناش بنات تتطلق إنتي عاوزه تفضحينا؟

***
تعرف أن تسنيم لن تستطيع أن تلون لوحاتها بالألوان المائية دون مساعدتها .. و أن محمود لن يواظب علي التمرينات في مواعيدها إن لم تتابعه هي مع مدربه
***
اليوم تصفع تسنيم لأسباب تافهة .. و توبخ محمود امام اصدقائه
لم تعد تجيد العطاء .. أو الحب .. أو أي شيء
اصبحت خواء
هنا فقط رضي عنها الجميع .. أما هي فلا تعرف ما الفرق بين الرضا و السخط
لا تعرف الغضب غير أنها تعرف كيف تخرجه لا إراديًا غير مدركة بأن كل هذا .. وجع سنوات طويلة
****

ككل مرة يرفض الجميع أن يقفوا خلفها ليسندوا آخر ما تبقى منها
تعرف أن يوسف الذي تعرفت عليه في الجامعة و أرغمها علي أشياء كثيرة بدافع الخوف عليها و حبه لها و ارتضت ذلك في أشياء صغيرة كالعزلة عن صديقات الجامعة و صديقات النادي و معارض أصدقائها و المركز الثقافي حيث كان اجتماعهم للنقاش حول آخر المعارض .. تركت أدوات الرسم و الألوان .. تركت لوحات تنتظر إطار و لوحات لم تكتمل بعد .. و أقمشة معدة للرسم و الانتظار.. تركت كل شيء خلفها .. حتى أصبحت لا شيء سوى له .. و حين بحثت عما تبقي منها اكتشفت أن المتبقي لا يحتمل البقاء
***

لا أحد يهتم بالأسباب التي أدت إلي طلاقها .. الجميع يراها أسباب تافهه .. ألا يكفي أن ترى هي الأسباب كافية؟ هم بالفعل يستطيعون تحمل ما لم تعد هي تتحمله .. و لكنها هي لا تستطيع، ألا يكفي ذلك للرحيل؟
فحين كانت تتكلم مع أبويها عن أسباب الطلاق و علاقته بالاتساق بالذات و تنفس روحها .. كانت تتكلم لغة مختلفة في حين أنهم كانوا ينتظرون منها أسبابا تتعلق بالعرض أو بالإهانة المفرطة أو الضرب أو السب أو الفضيحة .. ربما المال أو ضيق اليد .. شيء مادي قد يلمسونه بأيديهم أو يضطرهم لرد فعل تحت ضغط الغضب .. جسدها لم يتألم .. روحها لسبب ما لن يفهموه لا تحتمل أكثر

****

ستقف للمرة الأولى أمام الإطار الفارغ .. لم تفكر يومًا أن يكون لها معرضًا فلطالما أقصى يوسف تلك الفكرة من ساحة أفكارها .. لأن الأولاد بالطبع بحاجة إليها، و المعرض و اللوحات و ألوان الزيت و جو التحضير للمعرض غير ملائم بالتزامن مع امتحانات الشهر و حفلات التنصيب و حفلات التكريم و التدريبات المكثفة قبل البطولات النهائية
ستقف أمام الإطار الفارغ تشعر لأول مرة بفراغ روحها .. أنها تحتاج من الوقت ما يتسع لمئة لوحة كي تنتهي من لوحتها الأولى .. لم تعرف هل ستكون لوحة باردة أم ساخنة .. لكنها كانت متأكدة من انها اليوم ستستعيد روحها علي قطعة قماش

****
بعينين زائغتين تصمت حين يسألها نور
- هو ليه يا تيتة إنتي ف بيت و جدو يوسف ف بيت؟ .. ليه مش زي تيتة و جدو بتوع ماما؟
هل سيفهم حين تقول له أنها تركت الصراعات الصغيرة لتتفرغ لصراعات أكبر؟ .. أو سيفهم أنها اليوم تستطيع أن تحكي له الحواديت و أن تجلب له الشيكولاته التي يحبها و تخرج معه في الأسواق يشترون غزل البنات الذي يحبه .. أو أنها لولا وجودها هنا لما أسموه "غزل الولاد" ليتمكن من شرائه دون حرج؟


********************

هو كان ..


وقف مصدومًا أمامها و هي تطلب الطلاق يقلّب كفيه و يسألها "ليه؟" .. و يكرر في حالة هستيرية .. فهو لم يؤذها و لم يعاملها كما يعامل إحسان جارتهم سندس .. يأكل ما تحضّره لهم كل يوم دون اعتراض أو طلبات خاصة .. يشتري لها الملابس التي تحبها و يهديها الورود و يأخذها للعشاء خارج البيت كل فتره .. هو لم يقصّر معها أو مع أولادهم .. لم يتشاجرا منذ فترة طويلة منذ آخر مرة تكلما فيها عن المعرض الذي تود أن تقيمه للوحاتها .. و حتى هذه المرة كانت مقتنعة بكلامه لها ..
****
كلّم أبويها ليفهم ماذا في الأمر .. ربما هي مرهقة أو متعبة في حالة ما أفقدتها القدرة على اختيار القرار الصائب و بين التمييز ما بين الإرهاق و الطلاق! .. و لكنه فوجئ بهم لا يعرفون شيئًا عن أمر طلبها للطلاق .. حاولوا تبرير فعلها أنها مرهقه ككل مره و وعدوه بإقصائها عن قرارها ..
****
في كل مرة تأخذ فرش الرسم و اللوحات و بعض ملابسها و تذهب إلى أبويها .. و بعد أيام تعود للبيت هادئة .. و لكن كل مره تذهب إليهم فيها تشكو لهم فيستطيعون إقناعها أن يوسف هو الشخص المناسب .. و في كل مره يتفهم ضغط الحياة اليومية .. كل يوم يراها تحضّر الطعام و تأخذ محمود من التمرين و تجلس مع تسنيم لتتم لوحات المدرسه .. هو يراها زوجة مثالية فماذا أصاب هذه الزوجة اليوم لتطلب الطلاق و إن كان بدون إلتزامات مادية؟!
****
في هذه اللحظة شعر أنه كان يجب عليه ان يعاملها بنفس قسوة إحسان مع سندس .. فأولادهم يحصلون على الدرجات النهائية و لا وجود لترهات الرسم و فرش الألوان في حياتهم!
****
يقف أمامها في صمت ثم يسألها "عاوزانا نتطلق بعد كل السنين دي؟!" .. و لم يسمع من كلامها سوى "أنا عاوزه أرجعلي".
لم يفهم شيئًا .. ظنّها جملة من الروايات التي تسلي بها وقتها بعد ان اتفقا على أن تتوقف عن الرسم لأنه يأكل مالهم و وقتها و مجهودها و هي تحتاج كل تركيزها للاولاد.
****
جاءت تسنيم تسأله "بارد و لا سخن؟" .. لم يفهم أنها تأخذ رأيه في ألوان لوحتها التاليه .. هنا اضطر أن يكلمها في الهاتف .. و اتفقا على أن حتى و إن كانت قد تركته فهو لا يريدها أن تترك الأولاد و إن كان في قرارة نفسه يفتقد حب عمره ..
****
كان غريبًا أن تأتيه تسنيم لتقول له "بابا .. انا بحبك" .. ظن أنها بذلك تفصح عن رغبة بالبقاء معه بعد طلاقه من أمها .. و لكنها أحبته في هذه اللحظة بالذات لأنه بالطلاق أعاد لها أمها ثانية ..
****
كان يرى أن من مصلحة الأسرة أن يكونوا معًا في كل شيء كما كانت أمه دومًا تفعل .. كان يظن ان المعارض و الأصدقاء يملئون فراغًا كان ينتظره ليملأه .. و أن الرسم هواية كانت تشغل بها وقتها حتى يرزقهم الله بالأولاد.
كان يظن أنه يعرفها.